دي رسالة بعتها صديق عزيز ليا و هو المهندس اشرف الرفاعي و حبيت اشاركها معاكم و اعرف رأيكم فيها ، علماً بأن اشرف من الناس القليلة جداً اللي انا مقتنع 100% انهم عباقرة و نوابغ (بارك الله فيه)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

قبل ما أقول رأيى أحب أقولكوا إن عمرى تمانية وتلاتين سنة وبقالى عشر سنين فى الغربة يعنى أنا تقريباً لسه فى نص التجربة وقد يتغير رأيى بعد عشرين سنة مثلاً من دلوقتى ؛ واللى هيحيهلكوا ده تطور رحلة مشاعرى بالنسبة لموضوع العودة لمصر.

الموضوع باحتصار شديد جداً إن فية مشكلة اقتصادية فى مصر – وأنا اتعلمت فى كلية الهندسة إن فيه خمس خطوات لحل أى مشكلة أولهم تعريف المشكلة. هذه الخطوات الخمسة ليس من بينها تجاهل المشكلة. يعنى علشان أنا أتجاهل المشكلة الاقتصادية فى مصر وأغنى أغانى عفاف راضى ومصر جوة قلبى والكلام دة وبس ده يبقى شىء غير واقعى. صحيح بنحب مصر وبنحب أهلنا وحبايبنا وأصحابنا ولكن طول مااحنا ضعفاء مش هنقدر نعملهم حاجه بل بالعكس هنزود مشاكلهم وهمومهم وأحزانهم بإنهم هيزعلوا علينا وعلى حالنا. يعنى اللى ربنا يرزقة بشغل برة مصر يتوكل على الله وماينساش أهلة وناسة وزى منتوا راسىين فيه مليون طريقة تقدر تساعد بيها الناس فى مصر وأولها فى رأيى الشخصى إننا نساعدهم يخرجوا من مصر على أد مانقدر.

على فكرة أنا أحد الناس اللى كنت بحب القعدة فى مصر جداً جداً جداً وأول مااتخرجت قلت مستحيل أسيب مصر رغم العروض المغرية جداً اللى كانت بتجيلى أيامها فى دول الخليج – وزى مابعض أعضاء الجروب المحترمين عارفين كنت فاتح شركة كمبيوتر فى المنصورة والشركة كانت محققة نجاح كبير والحمد لله ولكن مع الزمن وبعد أربعة سنوات اكتشفت الحقيقة المؤلمة إننا مابنحبش بعض وأى حد بينجح فى مصر الكل بيبقى عاوز يديلة على قفاة بدءاً من الحكومة ومروراً بالأصدقاء وحتى الناس اللى ماتعرفهمش ومن يومها وأنا قررت أنصح أى حد بحبة إنة يخرج من هذه المخروبة قبل فوات الأوان. ولما حبيت أخرج من مصر قبلت عرض هزيل فى الكويت بمرتب أقل من ربع أى عرض تانى اتعرض عليا لما كنت رافض فكرة السفر.

غربتى بدأت سنة 99 عندما غادرت مصر إلى الكويت. رغم إنى كنت مبسوط بحياتى الجديدة فى الكويت بسبب الدخل الأكبر وساعات العمل المحددة (مش اربعة وعشرين ساعة زى مصر) و و و و إلا إنى فى خلال أول ست شهور كنت بفكر أرجع مصر فى كل لحظة ؛ ولوكان عندى دخل يكفينى أعيش حياة كريمة فى مصر كنت رجعت تانى يوم. هل السبب فى كده كان الأهل والأصدقاء ؛ أو كان إنى وحيد أمى وأبويا ومتدلع شوية ؛ أو كان إنى كنت متأثر بأغانى عفاف راضى مصر هيه أمى ونيلها هو دمى – الله أعلم ؛ انما ده اللى كان حاصل أول ست شهور ؛ كنت قاعد شغال غصب عنى بسبب لقمة العيش.

بعد كده قررت أتعايش مع الواقع وهو إنى هعيش فى الغربة على الأقل الكام سنة الجايين وابتديت أركز على تحسين وضعى ؛ سواء المركز الوظيفى ؛ الدخل على مستوى العمل أو إنى أبتدى أتجوز وأعمل أسرة صغيرة على المستوى الشخصى. وتصادمت هذه الرؤية مع نفاق أهل الخليج المعروف وعدم التزامهم بالعقود والتعهدات ؛ فالمرتب اللى كنت طالع علية كان قليل والشركة كانت واعدانى تزوده بعد تلاتة شهور ولكن أول ماوصلت قالولى هو كده مش عاجبك أمشى. طبعاً أنا كان مش عاجبنى ولكن ماقدرتش أمشى. ولكنى بدأت أدور على شغل تانى وياحبذا لويكون برة الكويت والحمد لله ربنا رزقنى بعقد فى نيوزيلندا. ونيوزيلندا بلد فى آخر العالم بينها وبين الكويت حوالى يومين سفر بالطيارة يعنى منفى ولكنها دولة من دول العالم الأول قلت أهو الواحد يطلع يجرب حظه ويشوف الناس النضيفة اللى بيسمع عنهم فى التليفزيون.

الحياة كانت كويسة فى نيوزيلندا والناس محترمة جداً ورغم ان المرتب كان كبير إلا إنه كان بيتخصم منة جزء كبير ضرايب والباقى بيتصرف أول عن آخر ؛ يعنى كانت غربة زى قلتها وبدأت أدور على شغل تانى. لقيت شغل فى أمريكا وطلع تصريح العمل وكل شىء جاهز على السفر ولكن قبل السفر بأسبوع واحد الشركة أعلنت افلاسها وكان ده بفضل الله قبل ماأستقيل من الشركة النيوزيلندية ؛ وبعد كده جالى شغل فى انجلترا وجيت هنا سنة 2002.

قضيت خمس سنين ونص فى انجلترا حصلت خلالهم على الجنسية البريطانية الكريمة وخلفت بنتين ولكن افتكرت إنى من يوم ماخرجت من مصر مارجعتش تانى ولاحتى زيارة قصيرة فقررت بعد سبع سنين ونص إنى أنزل أسبوعين وكنت اتفقت مع مراتى إنى خلال الزيارة دى أجهز لرجوعنا نهائى لمصر لأسباب معظمها عاطفية وشخصية ولإن البنات ابتدوا يكبروا وكنا نفضل إنهم يكبروا فى مجتمع مسلم.

زى ماكنت بشوف فى التليفزيون كنت متوقع إنى أسجد وأبكى أول ماأوصل مصر بعد المدة دى كلها وفعلاً بكيت من أول ماخرجت من الطيارة لحد ماوصلت المنصور ولكن بكاء من نوع آخر:
طبعاً ماقدرتش أسجد لإن ماكانش فية حتة أسجد فيها ؛ الأرض كانت فى منتهى القذارة حاجة وسخة ماشفتهاش قبل كده غير فى السعودية أيام الحج ومتغسلتش يمكن من أيام أحمس ماطرد الهكسوس من مصر ؛ المهم نيجى للبكاء
بكيت لما شفت الحالة المزرية لمطار القاهرة “الدولى” ؛ أنا كنت ساعتها سافرت حوالى تلاتين دولة وماشفتش مطار أرضيتة بلاط ؛ من اللى هو المعفن بتاع الحمامات القديم أوى ده ؛ غير فى مطار القاهرة.
بكيت لما شفت الهرجلة فى كل مكان ؛ تخيل طيارة واحده فيها حوال متين راكب وقفونا فى طابور ساعتين علشان ندخل مصر المحروسة ؛ واللى معاه عيال تعيط والناس الكبار فى السن بقوا هيقعوا من التعب وطبعاً لافية كرسى ولاأماكن انتظار ولاحتى تقدر تقعد على الأرض من قذارتها.
بكيت أول ماخرجت من مطار القاهرة وصدمت من القذارة اللى فى كل مكان والضوضاء والزحمة وعدم النظام والهرجلة و و و .
بكيت لما شفت حال الناس اتغير وبقى معظم الناس عندهم قلة ذوق لاحدود لها وانتشار البلطجة والفهلوة واحنا اللى خرمنا التعريفة
بكيت لما شفت أحوال أصحابى وقرايبى اللى ماكانوش محظوظين وفضلوا قاعدين فى مصر

وكنت فاكر بعد سبع سنين ونص إنى هحتاج على الأقل أقعد شهرين تلاتة ولكن للأسف بعد يومين تلاتة مافيش غيرهم حسيت بالغربة وإنى عاوز ارجع انجلترا تانى. طبعاً أنا كان ورايا مهمة محددة وهى إنى أجمع أكبر قدر من المعلومات علشان نرجع مصر نهائى ؛ يعنى الحاجات العادية مكان نعيش فية ؛ شغلانة تصرف علينا ؛ مدارس كويسة للبنات و و و الخ. المهم لقيت اننا علشان نعيش فى نفس المستوى اللى احنا عايشين فيه فى انجلترا هنحتاج تقريباً نفس المبلغ ده غير طبعاً ان الدخل فى مصر هيبقى أقل بكتير. الحاجة التانية إن السبب الرئيسى لرجوعنا مصر كان سبب دينى إننا عاوزين نعيش فى دولة إسلامية والبنات يتربوا فى دولة إسلامية ولكن للأسف الواقع المرير هو ان الدول الإسلامية دول إسلامية بالإسم فقط ومعظم من فيها لايعرفون من الإسلام إلا إسمة ؛ إلا من رحم ربى طبعاً. ده غير ان المسلم بيتمتع بحريات أكبر بكتير فى البلاد الغربية إلا حاجات بسيطة زى تعدد الزوجات ولكن بصفة عامة هنا الواحد بيقدر يعمل اللى هو عاوزة. يعنى مثال بسيط أنا عندى لحية صغيرة شكلها أقرب للخنفسة منها للتدين ولكن كل مرة أنزل مصر يوقفونى ييجى نص ساعة فى الجوازات (ده طبعاً بعد الساعتين فى الطابور) علشان يشوفوا حكايتى ايه. لما بنزل مصر مابعرفش حتى أروح أصلى الصلوات الخمسة فى المسجد ؛ المرة اللى نزلت فيها اسبوعين دى لقيت أمن الدولة جايين البيت علشان صليت كذا مرة فى مسجد السلاب من يومها وأنا حرمت أروح أصلى فى المسجد. هنا طبعاً مافيش الكلام الفارغ ده والبلطجة بتاعة الشرطة اللى موجوده فى مصر دى. ده غير إنى من يوم ماخرجت من مصر مادفعتش رشوة ولله الحمد ؛ طبعاً ماحدش يقدر ينكر انك دلوقتى لازم رشوة وواسطه علشان تمشى حالك فى بلاد المسلمين. ده غير أخلاق معظم الناس هنا ؛ قد يكون السبب ان مستوى الحياة أحسن أو ان ماعندهمش المشاكل اللى عند الناس فى مصر ولكن النتيجة ان معظم الناس هنا محترمين ومعظم الناس فى مصر غير كده ؛ ومش عاوز اتكلم بأه :-)

لحظة البكاء الحقيقية والفرحة بالعودة للوطن حسيتها فعلاً لما رجعت انجلترا ؛ من أول ماخرجت بالطيارة حسيت بالفرق الشاسع ؛ المضيفات والمضيفين بيحيوك بابتسامة ويودعوك ؛ موظفى الجوازات على وجههم ابتسامة وبيقولولك حمد لله على السلامة ؛ موظف الجمارك بيحييك بابتسامة ؛ وأول ماخرجت من المطار وخدت عربيتى من الموقف واتجهت إلى البيت حسيت إن الروح ردت فيا ؛ الشوارع نضيفة ومعظم الناس اللى سايقة عربيات فى الشارع عارفة القانون وملتزمة بية ومافيش لادوشة ولاهرجلة وكل حاجة زى ماالكتاب بيقول. وساعتها قلت لنفسى دنا أبقى حمار واستاهل ضرب الجزمة لو فكرت أرجع مصر نهائى ؛ واحد زيى مفروض يصلى ركعتين شكر لله كل يوم اللى أخرجنى من هذه البلد على خير.

صحيح أنا اتعلمت بفلوس الشعب المصرى الفقير بحد مابقيت مهندس ولله الحمد ولكن فية طرق كتير لرد الجميل غير إنى أضيع نفسى وزوجتى وأولادى وأرجع مصر.

وشىء مهم جداً برضة إننا ماننساش فضل البلاد اللى أكرمتنا علينا – يعنى مش علشان بنحب مصر تبقى السعودية أو أى بلد تانية وحشة – أنا عن نفسى بحب بريطانيا جداً ومدين ليها بفضل كبير بعد فضل الله سبحانة وتعالى ؛ مش بس قاعد هنا علشان الفلوس.

أنا عارف ان فيه ناس كتير هتختلف معايا ؛ بس هيه دى تجربتى وهو ده شعورى حتى إشعار آخر. لو رأيى اتغير هبقى أبلغكوا ان شاء الله.

آسف على الإطالة وهطلب منكوا طلب صغير قبل ماحد يبعت أى تعليق خاصة على موضوع أحوال المسلمين فى بلاد المسلمين ياريت ماحدش يقعد يعددلى فى مزايا الإسلام ؛ أنا مابتكلمش على الإسلام ؛ فأنا بفضل الله مسلم ومقتنع تماماً بأن الإسلام أفضل أسلوب حياة على وجة الأرض فى جميع المجالات وتحاورت مع غير المسلمين أكتر من أى واحد فى الجروب ؛ أنا بتكلم على مسلمى هذا الزمان فى البلاد اللى غالبية سكانها مسلمين واستثنى من ذلك ماليزيا فهى مثال رائع لما يجب أن يكون علية المسلمون والبلد المسلم ؛ والله من وراء القصد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
أشرف الرفاعى